السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاته :
وكان الشعر والأدب ظاهرة طبيعية في أسرة أبي تمـّام فقد كان له أخ اسمه سهم ، وكان سهم هذا شاعراً وإن لم ترق شاعريّته إلى مقام شاعريّة أخيه .
فمن شعر سهم قوله :
ونازعته شيئاً إليّ مبـــــغضاً ... فلما رأى وجدي به صار يعشقـُه
فدعه ولا تحزن على فائز به ... فإن جديدات الليـــــــّالي ستخلفـُه
وهذا الشعر إن لم يكن جيداً كل الجودة فليس بسيّء ، ومن الطريف أن سهماً - حسبما حكى البحتري - قد جاء إلى أخيه يستميحه ، ولكن أبا تمـّام قال
له : ( والله ما يفضل عني شيء ولكن أحتال لك ) ، فكتب إلى يحيى بن عبد الله بقصيدة يوصيه به خيراً ، بل إن تمـّاماً نفسه كان شاعراً ومدح ابن
عبد الله بن طاهر ولكن صورة شعر أبيه جعلته يبدو قزماً جاء من صلب عملاق .
إن أسرة تخرج شاعرين أخوين في وقت واحد يصعب من وجهة نظر الكثيرين أن تكون نبطية ، ولكن حرص أبي تمام على وشائج الثقافة وجعلها نسباً
يربطه بالناس أكثر من رباط القبيلة قد شجّع الطاعنين في نسبه على السير في طعنهم هذا شوطاً بعيداً .
إن أبا تمام يؤكد هذا المعنى في أبيات وجّهها لعليّ بن الجهم الشاعر وكان من أقرب أصدقائه إلى قلبه :
إن يـُكد ، مطـّـرف الإخاء فإننا ... نغدوا ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فمـاؤنا ... عذب تحـــدّر من غما واحد
أو يفترق نسب ، يؤلـّف بيننا ... أدب أقمنـــــــــاه مقام الوالد
كانت هذه معايير أبي تمام في علاقاته بالناس ، وهي معايير راقية صاغها في أبيات رقيقة بهيجة صارت فيما بعد دستوراً لرابطة الأدباء بعضهم ببعض .
ربما ظن بعض الناس أن مثل هذه المعاني هروب من رباط الشاعر بقبيلته ، ذلك الرباط الذي شك بعض الناس في مبلغ ثقته ومتانته الأمر الذي دفع ببعض شانئيه إلى أن يطعنوا في صحّة نسبه العربي الطائي .
ثقافة أبي تمام وسلوكه ومروءته وبديهته :
كانت ثقافة أبي تمام وشمائله واكتمال شاعريته درعاً في وجه الذين يهاجمونه ودريئة ضد الذين يغمزونه في نسبه ، فأين تعلم أبو تمام وكيف ثقف نفسه ونمّى شاعريته وشحذ ملكته ؟
إن أبا تمام أديب عصامي جاد ، ارتحل في سبيل المعرفة من الشام إلى مصر وتردد على مسجد الفسطاط حيث حلقات العلم مكتظة بالدارسين يستمعون إلى الشيوخ الذين يلقون الدروس في اللغة والنحو والفقه والأدب وعلوم الدين ، والفتى الفقير الشامي المغترب يشترك مع السامعين ويجدّ مع المجدّين ، ولكنه في نفس الوقت يستعين على ضروريات الحياة بسقاية الماء في المسجد فيصيب القليل من الرزق من هذا السبيل المتواضع ويصرف همه إلى الشعر مع ما يصرف من هم في تحصيل بقية العلوم ، فيقوله مبكراً ويجيد فيه ويجود ، ويشيع ذكره وينبه شأنه ويصل خبره أذني المعتصم الخليفة البغدادي الذي لم يكن يسمع الشعر - على الأغلب - إلا تقليداً لما كان يفعله أبوه الرشيد وجدّه المهدي وأخويه الأمين والمأمون ، أما هو فكانت أمه تركية وتربيته عسكرية ، فكانت حصيلته في العربية متواضعة وفهمه لها محدوداً ، ومع ذلك فقد حمل أبو تمام إليه وهو في ( سرّ من رأى ) فأنشده من روائع شعره القصيدة تلو القصيدة والمديحة بعد المديحة ، فكانت معاني أبي تمام المحتشدة المتواكبة المبتكرة ، وقوافيه العذبة الموسيقية السلسالة تجذب انتباه الخليفة نصف الأعجمي بشدة حتى إنه كان يستعيد الشاعر مرات ليس من باب الإعجاب بقدر ماهي من ملاحقة المعنى وفهمه ، فإذا فهم المراد من قول الشاعر بدأ يظهر إعجابه ثم يزيد على ذلك بأن يصدر حكماً نقدياً مثل قوله ذات مرة : الطائي أشبه بالبصريين منه بالشاميين .
إن أبا تمام يحصل المعرفة في كل مكان مع صفة الظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس ومحافظة على زيّ الأعراب مثله في ذلك مثل الحسين بن مطير .
يجعل أبو تمام من الحياة مدرسة ومن كتب الأقدمين مدرسة أخرى ، يأخذ من الأولى بأسباب التجربة ومن الثانية بما يصقل شخصيته الأدبية وملكته الشعرية ، وأصبح راوية للقديم من الأشعار والطريف من الأخبار ، إنه يجالس إبراهيم بن العباس ويسامره بما يحفظ من شعر قديم مختار يصور صفات تمثلها أبو تمام في إبراهيم فيقول :
يمدّ نجاد السّيف حتى كأنـــــــه ... بأعلى سنامي فالـــــــــج يتطوح
ويدلــج في حاجات من هو نائم ... ويوري كريمات الندى حين يقدح
إذا اعتم بالبرد اليمانيّ خلتــــه ... هلالاً بدا في جانب الأفــــق يلمـح
يزيد على فضل الرجـال فضيلة ... ويقصر عنه مــــــــدح من يتمدّح
فيعجب إبراهيم بن العباس كل الإعجاب بجليسه الشاعر الأديب الراوية ويردف قائلاً له : أنت تحسن قائلاً وراوياً ومتمثلاً . وحين يخرج أبو تمام من مجلس صديقه يركض خلفه ابن أخ للمضيف هو أحمد بن عبدالله طماس ويطلب إليه أن يملي عليه هذه الأبيات ، فيقول له : هي لأبي الجويرية العبدي يقولها للجنيد بن عبد الرحمن ، يعني لا حاجة بك إلى أن أمليها عليك ، فاذهب وانسخها من مصدرها .
يتبع إن شاء الله تعالى
تحيـّاتي